أسعد السحمراني

94

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

توجد قيم تحكم العلاقة بينهما ، وإنما علاقاتهما تحكمها الشهوة والغريزة مما يعطل دور الحكمة ، فالعاشق لا يقدّم لمعشوقه الأشياء التي فيها النصح والخير ، بل يعمل جاهدا بالتمويه عليه حتى يستمر معه في علاقة تتحقق فيها اللذة والمنفعة له . ولذا يصبح العشق طريقا إلى رذيلة مفسدة للعلاقات المدينية الاجتماعية هي : الأنانية . وهي عكس سمة الإيثار والتضحية من أجل الآخرين التي تحقق الصداقة الحقّة التي تقود إلى الخير للجميع . إن سمة الأنانية تطلق على كل من يفضّل نفسه على غيره ، أو الذي يسعى لتأمين اللذات البهيمية حتى لو كانت على حساب الآخرين ، فهذه التسمية إذن مختصة بمحبي « أنفسهم الذين يخصون أنفسهم بأكثر الأحوال والكرامات واللذات الجسمية . . والذين يكثرون في الشهوة يفرحون بالشهوات وبجميع الآلام النفسانية وبالجزء اللانطقي في النفس . . وخليق أن يكون أحرى أن يظنّ أنه محبّ ذاته الذي يخصّ ذاته بأجود الخيرات وأعظمها ، والذي يفرح بالذي هو له بالحقيقة ويقنع به أبدا » « 1 » . هؤلاء الأنانيون شعارهم : « بعدي الطوفان » . والوصول إلى اللذات يتطلب فعل كل وسيلة . واللذات المطلوبة عندهم تتعلّق بالجسد ، وتراهم من أجل ذلك يتمردّون على قيم النفس العاقلة ، ويقبلون بالألم للنفس مقابل اللذة الحسية . وهؤلاء الأنانيون لا يقيمون وزنا للصداقة ولا للمحبة ، وإذا ما تظاهروا أحيانا بذلك فهم كالعشاق يتظاهرون بالمحبة من باب التمويه ، لمكان النافع في الطرف الآخر ، « والمقصود أن هؤلاء لم يحبّ بعضهم بعضا ، بل لم يحبّوا إلّا لمصلحتهم . . ومحبة الأخيار وحدها لا تنضب » « 2 » . في قول أرسطو هذا تنبيه للعقلاء الفضلاء بأن لا يثقوا بمحبة من أجل مصلحة ، وأن يسعوا إلى الحب الذي يكون من الأخيار دون مصالح ، أو

--> ( 1 ) أرسطو ، الأخلاق ، م . س ، ص 322 . ( 2 ) أرسطو ، الأخلاق ، م . س ، ص 282 .